الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

75

مناهل العرفان في علوم القرآن

فهل يتّفق ذلك وما هو معروف عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من أنه كان أمّة وحده في أخلاقه ، وثباته ، وحلمه ، وعقله ، ورباطة جاشه ، وسلامة جسمه ، وقوة بنائه ؟ ثم كيف يتفق ذلك الداء العضال الذي أعيا الأطباء ، وما انتدب له محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من تكوين أمة شموس أبيّة ، وتربيتها على أسمى نواميس الهداية ، ودساتير الاجتماع ، وقوانين الأخلاق ، وقواعد النهضة والرقى ؟ ! أضف إلى ذلك أنه نجح في هذه المحاولة المعجزة إلى درجة جعلت تلك الأمة بعد قرن واحد من الزمان ، هي أمة الأمم ، وصاحبة العلم ، وربّة السيف والقلم ! ! فهل المريض المتهوّس الذي لا يصلح لقيادة نفسه يتسنى له أن يقوم بهذه القيادة العالمية الفائقة ثم ينجح فيها هذا النجاح المعجز المدهش ؟ ! قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد * وينكر الفم طعم الماء من سقم « الشبهة التاسعة » يقولون : إنكم تستدلون على الوحي بإعجاز القرآن وتستدلون على إعجاز القرآن بما فيه من أسرار البلاغة ، ونحن لا ندرك تلك الأسرار ولا نسلّمها ، فلا نسلم الوحي المبنى عليها . والجواب : أن للقرآن نواحي أخرى في الإعجاز غير ما يحويه من أسرار البلاغة والبيان ، ومن السهل معرفتها على من لم يتمهّر في علوم العربية واللسان . منها ما يحويه هذا التنزيل من المعارف السامية ، والتعاليم العالية ، في العقائد والعبادات ، وفي التشريعات المدنية والجنائية ، والحربية والمالية ، والحقوق الشخصية ، والاجتماعية والدولية . وإن مقارنة بسيطة بين تلك الهدايات القرآنية وبين ما يوجد على وجه الأرض من سائر التشريعات الدّينية وغير الدينية ، توضّح لك ذلك الإعجاز الباهر ، خصوصا إذا لاحظت أن هذا الذي جاء بتلك المعارف الخارقة كان رجلا امّيا ، نشأ وعاش ، وشبّ وشاب ، وحىّ ومات ، بين أمة أمية ، كانت لا تدرى ما الكتاب ولا الإيمان ! .